![]() |
| د. عطية عدلان |
لا يزال الخطاب الدعوى والسياسي - على وجه العموم - والسلفيّ - على وجه الخصوص - متعثراً غاية التعثر، ولا تزال مشكلاته تحاصره وتهدد مستقبله بمزيد من الانحطاط والتخلف، يأتي على رأس هذه المشكلات " مشكلة التزوير الناعم المقنع للمضامين الإسلامية، أجل.. التزوير، التزوير الذي تجاوز الأساليب القديمة الفجّة كوضع الأحاديث، إلى أساليب ناعمة خفية لا تقل خطورة عن وضع الأحاديث واختلاق الأكاذيب. من صور هذا التزوير سوق النصوص الصحيحة في غير ما وردت فيه، وحملها على معان بعيدة عنها كل البُعد، وتحميلها ما لا تحتمل من الدلالات والمعاني، بل.. والأحكام " ( ) ومنها تخريج أحكام وقائع جديدة ونوازل حديثة على أحكام لصور قديمة؛ رغم قيام المانع من القياس، وثبوت الفارق بين ما استجد ويراد قياسه وبين ما يقاس عليه مما مضى الحكم فيه.
من هنا لم يكن مفاجأة - وإن تفاجأ بذلك من ليس لديهم متابعة للظاهرة - أن يصف البعض ما يجري في مصر بأنّه فتنة، ويسقط عليه - من ثمَّ - أحكام قتال الفتنة؛ وعلى رأسها - بالطبع - وجوب الاعتزال؛ إذ المقصود في كلامهم هو الفتنة بالمعنى الخاص سياسياً وتاريخياً، الفتنة التي عرفها العلماء بأنها الاقتتال بين طائفتين قد التبس على الناس معرفة المحق منهما من المبطل، ولا يدري القاتل فيما قتل ولا المقتول فيما قتل، الفتنة التي يتناسب فيها طردياً الرشد مع الكمون والسكون، والطيش مع الحركة والسعي، وذلك في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سَتَكُونُ فِتَنٌ، القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ، وَالقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ المَاشِي، وَالمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْهَا مَلْجَأً، أَوْ مَعَاذًا، فَلْيَعُذْ بِهِ» ( )
والأثر الذي يفترض أن يترتب على هذا الطرح السقيم المتخلف هو عينه ما يريده المتآمرون على هذا الوطن، بل على هذا الدين، المراد هو التخذيل وردّ المناضلين عن وجهتهم، فهل يدري هؤلاء (المتسلفنون) أنّ هذا الدجل (المسلفن) يصيرهم أبواقاً للظلمة وأدوات في أيديهم الملطخة بدماء الأبرياء ؟!
ولنبدأ - على سبيل التنزل - بافتراض أن ما يجري الآن فتنة بذلك المعنى الخاص؛ وأنّ ما تشهده الساحة المصرية هو اقتتال بين فئتين عظيمتين من المسلمين، فهل هذا الوصف - على فرض صحته - ينبني عليه تأثيم الثوار والمعارضين للنظام؟ لو قلنا بتأثيمهم للزم منه ما لا يمكن أن يقبله أحد من المسلمين في أيّ زمان أو مكان كان موقعه، وهو تأثيم الصحابة كلهم عدا القليل منهم، وهم من اعتزل الفتنة في معركتيّ الجمل وصفين، كأبي بكرة ومحمد بن مسلة وابن عمر وغيرهم رضي الله عنهم، وللزم من ذلك تحميل ابن الزبير - مثلاً – دماء من قتل من الفريقين لمجرد أن العلماء اعتادوا تسمية الأحداث التي جرت بينه وبين عبدالملك بن مروان بفتنة ابن الزبير، فهل يستطيع أحد أن يقول هذا على أمير المؤمنين ابن الزبير ؟! وهل يستطيع أحد أن يلمز ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسين بن عليّ لكونه أصر على القتال رغم اعتراض أكابر الصحابة عليه ومنهم ابن عمه وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عباس حبر الأمة ؟!
أمّا الذي اختلف فيه العلماء - وما اختلفوا في رفع الإثم عمن اقتتلوا من الصحابة في الفتنة - فهو حكم المشاركة في قتال الفتنة هذا " فقالت طائفة لايقاتل فِي فِتَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ دَخَلُوا عَلَيْهِ بَيْتَهُ وَطَلَبُوا قَتْلَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْمُدَافَعَةُ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الطَّالِبَ مُتَأَوِّلٌ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي بَكْرَةَ الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَغَيْرِهِ وَقَالَ ابن عُمَرَ وَعِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْا وغيرهما: لايدخل فِيهَا لَكِنْ إِنْ قُصِدَ دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ، فَهَذَانِ الْمَذْهَبَانِ مُتَّفِقَانِ عَلَى تَرْكِ الدُّخُولِ فِي جَمِيعِ فِتَنِ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ مُعْظَمُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَعَامَّةِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ يَجِبُ نَصْرُ الْمُحِقِّ فِي الْفِتَنِ وَالْقِيَامُ مَعَهُ بِمُقَاتَلَةِ الْبَاغِينَ كَمَا قَالَ تعالى " فقاتلوا التى تبغى " الْآيَةَ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَتُتَأَوَّلُ الْأَحَادِيثُ عَلَى مَنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ المُحِقُّ، أَوْ عَلَى طائفتين ظالمتين لاتأويل لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُونَ لَظَهَرَ الْفَسَادُ وَاسْتَطَالَ أَهْلُ الْبَغْيِ وَالْمُبْطِلُون "
هذا هو موجز الأحكام الشرعية المترتبة على توصيف ما يجري على أنه فتنة بمعناها الخاص، أي قتال فتنة، ويترتب عليه أنّ الثوار لا يؤثمون بإجماع علماء الامة، وأن أكثر العلماء يوجبون على الأمة نصرتهم والقيام معهم على الظالم، وهو توصيف مبني على فرض أنّ ما يجري اقتتال بين طرفين وليس مجرد عدوان من (ميلشيات) مسلحة تمارس القتل والسحل ضد شعب أعزل يعتصم بالسلمية ويتمسك بالكف عن عدو ظالم متجبر، ومبنيّ كذلك على فرض أنّ القضية التي فجرت الصراع ملتبسة، لا يتضح فيها المحق من المبطل، وليست قضية انقلاب على إرادة شعب، انقلاب نسف كل مكتسبات ثورة هذا الشعب، وأنهى كل آمال الإسلاميين في تطبيق شريعة الله تعالى.
لقد ورط هؤلاء أنفسهم - بهذا التوصيف المنافي للواقع - في جملة من التناقضات، الفقهية ووضعوا أعناقهم تحت طائلة لوازم قاصفة للعنق قاصمة للظهر، ولم يبق لهم إلا أن يبحثوا عن تكييف آخر للنازلة، فما هو تكييفها الصحصح ؟ إذا كان الحكم على الشيء فرع عن تصوره - كما يقرر الفقهاء والاصوليون - فإن التصور الصحيح لما يجري الآن هو الممهد لاستدعاء الحكم المطابق للواقع، والتصور الصحيح لهذه النازلة هو أنها فتنة، أجل: فتنة، ولكن ليس بالمعنى الذي ذهب إليه الذاهبون إلى الاعتزال، وإنما بالمعنى الآخر الذي ورد في سياق التصحيح على لسان ابن عمر رضي الله عنه - وهو أحد الصحابة الذين اعتولوا قتال الفتنة - حين سأله رجل: كيف ترى في قتال الفتنة ؟ قال: " وهل تدري ما الفتنة ؟ كان محمد صلى الله عليه وسلم يقاتل المشركين، وكان الدخول عليهم فتنة، وليس كقتالكم على الملك " ( ) أي أنّ الفتنة الحقيقية التي يخشى عليكم من نسيان خطرها بسبب انشغالكم بغيرها هي فتنة أعداء الأمة للمسلمين.
هذه هي الفتنة التي تطل برأسها وتعصف برياحها على الوطن، فتنة في دين الناس وشريعهم وحرياتهم وحقوقهم التي ضمن الشرع احترامها، فتنة تمارسها - من خلال عملائها - الدول الاستعمارية، فتنة تتولى إسرائيل إدارتها وتتعهد أمريكا برعايتها، ويحتضنها الاتحاد الأوربي، وتخطط لها أنظمة الاستخبارات الأكثر إجراماً تحت أديم السماء، لا سيما الأمريكية والإسرائيلية، ومعها الأجهزة الأمنية المخترقة والمملوءة قذارة ووقاحة، فتنة تمارس القتل والتعذيب وانتهاك الإعراض والقمع والسجن والكبت وتكميم الأفواه.
ومن ذا يستطيع أن ينكر دعم إسرائيل وأمريكا والاتحاد الأوربيّ للانقلاب، ومن ذا يملك أن يخفي ما أذاعته إسرائيل عبر قنواتها المختلفة مراراً وتكراراً من أن ما قام به العسكر إنما هو في صالح أمن إسرائيل، ولا أظن أن أحداً يعمى عن دور الكنيسة وحضورها القوي في المشهد الانقلابيّ، ولا عن تعاون اليساريين والشيوعيين والعلمانيين وأقطاب نظام مبارك مع الانقلابيين، إنّ أعداء الوطن وأعداء الأمة جميعاً يقفون صفاً واحداً لدعم الانقلاب، ويقف معهم أنظمة عربية يرتهن وجودها بوجود هؤلاء العملاء، وبزوال أهل الحق والعدل.
ومن هنا فالذي حدث هو الفتنة في أصلها وجوهرها؛ هو الفتنة التي أمر الله تعالى بمواجهتها، قال تعالى: " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً " ومثل هذه الفتنة يجب على المسلمين مواجهتها، ويحرم عليهم التولي عن مناصرة الدافعين لها، ويأثم كل من أعان أهل الفتنة أو وقف في صفهم، وآليات المدافعة تختلف من زمان لآخر ومن مرحلة لأخرى، والثورة تدرك تماماً بفطرتها وبخبرتها ما هي الآليات المناسبة ومتى تحتاج إلى تطويرها بما يتناسب مع المرحلة، حسب ميزان المصالح والمفاسدو، ووفق (ترمومتر) المآلات.
هذا للبيان والردّ على من زعم أنّ ما يجري فتنة يجب اعتزالها، وقد آثرنا أن نكتفي بهذا وألا نتعرض لمن تبجح واستعلن بوقاحته متهماً الثوار بأنهم بغاة وخوارج يجب قتالهم وتحرم مناصرتهم، لكون هؤلاء قد انزلقوا إلى درك أخفض وأنزل مما هبط إليه القائلون بالفتنة، ومن ثم فهم يحتاجون إلى أن يفردوا بمقال غير هذا المقال.
ولكننا مع ذلك نرى أنها حرب واحدة وغارة واحدة وإن تعددت فصائلها.
*المصدر: الإسلاميون


إرسال تعليق