يبدو أن الحداد قد بات أمرا مفروضا على الشارع المصري، وتنكيس الأعلام قد أصبح مشهدا مألوفا منذ الانقلاب العسكري الفاشل، والذي عجز عن وقف نزيف الدم بين جنودنا على الحدود، وتكفل بنفسه بإراقته في الميادين والجامعات، إلا أن المصاب هذه المرة جلل والخسائر فادحة بعدما فقدت مصر في ليلة ظلماء 33 من أبنائها من عناصر القوات المسلحة، ارتقوا -وفقا للرواية الرسمية- شهداء في حادث إرهابي استهدف كمين «كرم القواديس» بمنطقة الشيخ زويد، شمال سيناء.
ولأن الأمر يتعلق بأرض الفيروز، تلك المساحة المنسية من أرض مصر، التي يعاني أهلها من ممارسات عنصرية فاشية من جانب سلطات الانقلاب منذ أعلن حربه المزعومة على الإرهاب، فضلا عن موقعها المتاخم لحدود غزة وفلسطين المحتلة والذي يجعلها دائما في قلب الحدث وموطنا لاستيعاب الشائعات، جاءت قرارات مجلس الدفاع الوطني لسلطات الانقلاب والتناول الإعلامي الفج، لتثير الريبة والشك في النفوس من احتمالية وجود سيناريوهات أخرى تخالف تلك الورادة من المؤسسات الرسمية حول الحادث.
الملابسات التي أحاطت بالحادث الذي راح ضحيته 64 من عناصر القوات المسلحة ما بين شهيد وجريح من قطع وسائل الاتصال عن سيناء، وعدم وجود شهود عيان لتأكيد أو نفي أو توضيح الرواية الرسمية، فضلا عن الصمت الذي خيم على الصحفة الرسمية للمتحدث العسكري لساعات ما بعد الخبر، وافتقاد لصور أو لقطات من موقع الحادث، وما تلا المجزرة من قرارات فاشية بتهجير سكان المناطق الحدودة، وإعلان حالة الطوارئ وحظر التجوال، ثم التعاطي الإعلامي المتباكي مع المصاب وتوزيع الاتهامات المعلبة على أطراف بعينها، حملت في طيتها أن الحادث يحمل سيناريوهات مغايرة ربما تكون أقرب إلى الحقيقة والواقعية من رواية قواد الانقلاب العنصري.

إرسال تعليق